‏قصصي في الحياة

‏حياة الإنسان قصة يجب تدوينها لتكون عبرة و خبرة للآخرين

‏كل إنسان يمرنا بقصة لها تأثير كبير في عقله ومشاعره وروحه و طريقه في الحياة، فهناك قصص تغير قدر الإنسان بشكل غير متوقع، وتقوده نحو طرق ومواقع ومواقف لن ولم يكن يتصورها

وانا ادون قصصي التي غيرت مجرى حياتي لتكون عبرة وتجربة و خبرة للاخرين ومعرفة للاخرين عني وما مررت به لاكون نفسي واصل الى لهدفي وقدري في الحياة

موسيقى الصفحة – Fire, Then Nothing by Da Sein

٤ نساء فاضلات احبهن دوما

اربع نساء في حياتي احبهن ولهن فضل كبير في دخولي لعالم الاعلام، و بالرغم من دور الاصدقاء في دعمي والوقوف معي بالعديد من الاوقات لكن بدايات الطريق وضعتها النساء، فكنت محظوظ بهن ومعهن .

ب: هو رمز لصديقة عزيزة جدا قادمة من بغداد تعرفت عليها في الاردن وكانت ضمن مجموعة اصدقاء تميزت “بالذكاء والجد والقدرة على العمل باصعب الظروف وتحقيق الاهداف مهما كانت الصعوبات”، وخلال جولاتنا مع الاصدقاء اعطتني الكثير من النصائح وشجعتني كثيرا على تحقيق اهدافي بشكل عام و ان اكون مميزا وناجحا بشكل خاص

ففي عام ٢٠٠٨ بدأت بالدراسة بعد انقطاع ٤ سنوات وكان لتشجيعها دور كبير في عودتي و بذل اقصى الجهود للنجاح، وقبل التخرج بسنوات شجعتني لان اجد عمل في اختصاصي وان اتحدى كل الظروف الصعبة وبالفعل تعينت، هذه المرأة لها “الفضل” في تحفيزي نحو العمل و تحقيق النجاح


الاعلامية وجدان العاني: مذيعة جميلة ايجابية مبدعة في مجالها من جيل “اعلاميو الاردن” الذين بدأ مشوارهم الاعلامي خارج العراق عملت في قناة البابلية وتدربت على يد خبراء وانتقلت لقناة التغيير.

تعرفت على وجدان خلال زيارتي لقناة التغيير صدفة وقد اعجبت باداءها وثقتها العالية امام الكاميرا حتى اني “حسدتها” على ذلك، بعد النشرة تعرفت عليها وقلت لها “ريد اصير مذيع” عندها ضحكت لان طلبي كان مباشر وبشكل “عنيف” فوافقت وهي التي اخذت بيدي بعد ايام وادخلتني لقناة التغيير لتكون اولى خطواتي بالاعلام

كما بدأت وجدان بتدريبي في ستوديو القناة بشكل مستمر على التقديم الاخباري وتحديدا على مواضيع “استخدام جهاز القراءة ولغة الجسد و اختيار الزاوية و النظرة المناسبة امام الكاميرا وطرق الحديث مع الضيف و معالجة المواقف الصعبة خلال النشرة بالاضافة الى ملاحظات عامة اخرى تركز على الاداء الاخباري، وكانت تسدي لي النصائح دوما عن الاداء حيث ساهم الامر بتطور ادائي الاعلامي بشكل سريع.

بعد مدة قصيرة من العمل في قناة التغيير، جاء امر بالاستغناء عن خدماتي ولم يمر علي سوى ٣٠ يوم، وقد كانت صدمة للكادر ولي، هنا تدخل وجدان لمعرفة الاسباب لتظهر ان سوء فهم حدث من الادارة تجاهي، فعالجت الموقف وابلغتني بامكانية عودتي للعمل.

عام ٢٠١٦ بعد هجرتي للولايات المتحدة، اتصلت بي وجدان وكنت قت عملت في قناة التغيير و انتقلت الى قناة دجلة وبعدها هاجرت، فخلال الاتصال قالت لي “انت وين” قلت في امريكا فقالت “تركب طيارة وتجي انت مذيع بقناة الحدث” وكانت هذه مفاجأ’ منتصف الليلة لان توقيت ولاية كاليفورنيا الامريكية عكس الاردن، عندها عدت للاردن لابدأ مسيرتي كمذيع بقناة الحدث لثلاث سنوات اخرى بفضلها


الاعلامية الكبيرة سحر الاصيل: اشهر واعرق مذيعات العراق فهي من الجيل الذهبي للتلفزيون العراقي قبل عام ٢٠٠٣، كان لها سمعة وتاثير وكاريزما رائعة على الجمهور العراقي وفي العمل.

التقيت اول مرة الاعلامية سحر في الطابق الثاني لقناة التغيير بعد انتهاء نشرة الاخبار حيث جاءت بنفسها وقالت “انت تملك كاريزما رائعة جدا على الشاشة وشكلك مميز لكن تحتاج الى تحسين الالقاء”، واعتقد انني محظوظ لانها جاءت لاسداء النصحية بنفسها وقد قالت “اكدر اساعدك حتى تتطور اكثر”، وقد بدأت معها دورة مكثفة على “اللغة العربية” و “فن الالقاء الاخباري” المتمثل بالتلوين و التقطيع والتشديد على الكلمات، بالاضافة الى مواضيع تخصصية جدا.

الاعلامية سحر نقلت لي خبراتها و معرفتها من الدورات و ورشات العمل التي حصلت عليها ايام تلفزيون العراق حيث كان يقدم دورات متخصصة بشكل دوري للمذيعين باشراف خبراء من كل انحاء العالم، هذه المعرفة و الخبرة نقلتها لي حتى انني لم اواكب واستوعبها الا بعد مدة من الزمن، فكثافة المعلومات تطلبت وقت لاستيعابها.

كما اشتركت مع الاعلامية سحر في تقديم موجز النشرة الاقتصادية خلال حصاد قناة التغيير الاخباري وقد كانت تراقب ادائي خلاله وخلال النشرات الاقتصادية التي اقدمها بأوقات اخرى لتقوم بأعطائي ملاحظات بالاخص عن اللغة وطريقة الالقاء بشكل خاص لان الالقاء الاخباري العام كان قد تطور مع انتهاء دورات الاعلامية وجدان العاني، بالتالي ركزت الاعلامية سحر على جوهر الاخبار وهو طرق الالقاء، فكان لها فضل كبير بمسيرتي الاعلامية.


الاعلامية لميس الكعبي: مقدمة برامج و مذيعة راديو ورئيس تحرير مجلة الشبيبة في سلطنة عُمان، عملت لسنوات في مجال الصحافة و الاعلام وكان عضو نقابة الصحفيين العمانية. تميزت الاعلامية لميس بعلاقاتها الواسعة في الوسط الاعلامي.

عام ٢٠١٧ تعرفت على الاعلامية لميس الكعبي من خلال تويتر، ومنذ ذلك الحين بقينا على تواصل مستمر، وتحولت التعارف الى صداقة كبيرة، وقد كان لها الفضل الكبير في موقف واحد لكنه غير مجرى حياتي بشكل تام، فخلال عملي بواحدة من القنوات التي عانت من مشاكل متعدد، اثرت علي كثيرا، وقد كنت افكر بان انتقل الى قناة اخرى لكن الفرص لم تكن متاحة، بالاضافة الى انني واجهت مشاكل مالية ذلك الوقت بسبب عدم استقرار القناة في صرف الرواتب، بشكل عام كان الوضع مأساويا.

ومع سوء الاوضاع وخلال يوم بائس جدا كنت اتكلم مع الاعلامية لميس المقيمة في سلطنة عمان بعد عودتي من الولايات المتحدة الى الاردن وتحدثنا عن وضع الاعلام وقد قلت لها “وضع القناة سيء جدا وافكر حاليا بالانتقال لكن ماكو فرص” عندها قالت “تدري اليوم احد مدراء القنوات سألني اذا كنت اعرف مذيع بخبرة عالية ! هنا كانت الصدمة الاعلامية لميس في سلطنة عمان وانا في الاردن هل من المعقول ان تسهم في ايجاد فرصة عمل لي وهي خارج الاردن !.

سألتها بذلك الوقت “انت متاكدة يريدون مذيع واكو فرصة عمل!” قالت نعم وسأتصل واعود لك، اجرت اتصالاتها وبعد ساعات فقط عاد وقالت “السي في مالتك وين ارسلة واتس اب” ارسلته مباشرة وبعد ايام اتصل بي احد المدراس بعد ان اطلع على سيرتي المهنية ليجري مع مقابلة عمل حيث قال “احنة رايدين مذيعين احترافيين وعدهم خبرة وشفنة سيرتك ممتازة جدا” وبعد المقابلة تم قبولي في هذه القناة حيث تحسنت اموري المادية و النفسية كثيرا بل واضيفت لي خبرة ممتازة جدا.

الاعلامية لميس كان لها دور في جمع كل خبراتي عندما كنت في وضع سيء جدا مع قناة تنهار يوميا ولا يوجد في ذلك الوقت امل في ايجاد عمل جديد، دخلت هي على الخط و خلال ايام ساهمت بتوظيفي بقناة ممتازة، والاهم انها لم تكن “واسطة” والتي تعني ان يتوظف شخص لايملك المؤهلات في وظيفة لايستحقها، بل كان دورها “ترشيحي” بشكل سريع الى وظيفة صعبة تتطلب خبرة واسعة شعرت هي انني على قدرها بالتالي رشحتني وقد نجحت في المقابلة و الوظيفة بشكل كبير.

مع والدتي العزيزة

امي اول من وجهني ونصحني لدراسة الصحافة و الاعلام بعد فشل طويل

اختيار التخصص الدراسي الجامعي الذي يناسبك وتحبه يغير مستقبلك نحو الافضل، هذه القاعة صحيحة و فعالة وقد جربتها شخصيا، بعد عام ٢٠٠٣ بدأت بالدراسة الجامعية في كلية الادارة و الاقتصاد جامعة بغداد بمنطقة الوزيرية القريبة من منزلنا، كنت اهوى هذا القسم لكن سرعان ما اكتشفت ان الهوى انتهى وتحولت الدراسة الى ملل كبير لا يشجع على الاستمرار، وفي احدى الايام كنت قد قررت عدم الاستمرار بهذا القسم واثناء دخولي الى الجامعة اغلقت القوات الامنية بوابة الجامعة بعد ورود معلومة بوجود عبوة ناسفة وبالفعل تم اكتشافها و ابطالها فكانت هذه حجتي لترك القسم.

بعدها اكتشفت ان الجامعة رغب قربها من منزلي لكنها لم تكن مشجعة كثيرا للدراسة كونها جامعة حكومية روتينية، لذلك انتقلت الى جامعة التراث الاهلية في حي المنصور الراقي وسط بغداد لادرس نفس التخصص “ادارة الاعمال”، اجواء الجامعة بشكل عام كانت رائعة وصاخبة رغم احداث ٢٠٠٣ وما تبعها من عشوائية البلد لكن بعض الجامعات و الاماكن كانت محافظة على نظامها وعالمها الراقي، نعم عدت للدراسة فيها وبعد فترة بسبب الازدحامات المستمرة وعدم استتباب الاوضاع على كل الصعد، اصابتني حالة “كراهية القسم و الدراسة الجامعية بشكل عام” ولا اعرف لماذا قد يكون للاحداث دور في ذلك لكن قررت ان اترك الدراسة، وقد جاءت الحجة المناسبة بعد ان وردنا تهديد بالقتل في باب المنزل عام ٢٠٠٤ لننتقل بعدها الى الاردن.

منذ عام ٢٠٠٤ الى عام ٢٠٠٨ شاركت في العديد من الدورات عن الحاسوب وعن التصميم و غيرها لكن الغريب في الامر انني لم اجد نفسي فيها على الرغم من بذلي جهود مضنية وكنت احقق الفائدة المرجوة من الدورة لكن بعد فترة اشعر وبقوة انه ليس مكاني، وبعد تشجيع من الصديقة “ب” و الاصدقاء و الاهل قررت بعد مرور ٤ سنوات من العودة الى الدراسة لكن هذه المرة في قسم “التصميم الجرافيكي” والذي كان من ارقى والاقسام في جامعة البترا، فكانت النساء فيه اكثر من الرجال “وهو سبب للتسجيل في هذا القسم” بالاضافة ساعات الدوام المتنوعة و المرنة والاهم “الموهبة التي امتلكها للرسم” وهي موهبة عائلية بالتالي شجعتني هذه العوامل على دخول القسم، لكن بعد ٤ اشهر من الدوام فشلت فشلا ذريعا وكبيرا جدا بالاستمرار و تحقيق ادنى النتائج للنجاح فقد كانت علاماتي “رسوب دائما”.

بطبيعتي كانت ولازلت شخص اجتماعي جدا ومتكلم ومتفاعل مع بيئتي ولدي القدرة على التعامل مع كل الشخصيات، اول من لاحظة هذه القدرات هي “امي العزيزة” وكانت قد رأت ان افضل قسم دراسي لي هو الصحافة و الاعلام، ورغم ان هذه القسم لم يكن معروف بشكل واسع ولم تكن فرص العمل فيه واضحة او متوفرة مقارنة بكل الاقسام، نصحتني بان اتجه للصحافة و الاعلام قبل التصميم الجرافيكي لكنني لم اصغ لها، وبعد فشلي كنت في مفترق طرق اما ترك الدراسة مرة اخرى او ايجاد قسم جديد اخر، هنا دخلت والدتي على الخط مرة ثانية لكن بالحاح و اصرار كبير بان اتجه لقسم الصحافة و الاعلام مباشرة، وبعد تفكير طويل وبطئ في اتخاذ القرار، اتجهت الى قسم الصحافة و الاعلام متاخرا جدا لاجد ان القبول و التسجيل اغلق منذ اسبوع ولا توجد مواد دراسية، وهنا تدخل رئيس قسم الصحافة و الاعلام الدكتور تيسير ابو عرجة لينقذ الموقف ويوفر لي مقد دراسي.

بالنهاية لولا دور امي ورايها السديد في توجيهي نحو قسم لم اكن افكر به يوما ولم يكن معروفا بشكل واسع في عام ٢٠٠٨ لما كنت اعمل اليوم في مجال الاعلام الذي فتح لي ابواب السفر و الشهرة و المردود المادي.

مع الاستاذ الدكتور تيسير ابو عرجة رئيس قسم الصحافة و الاعلام بجامعة البترا بعد انتهاء مناقشة درجة الماجستير، اخر لقاء وصورة بعد ٦ سنوات من الدراسة

فشل و نصيحة وتشجيع و نجاح

صورتي مع الدكتور تيسير ابو عرجة رئيس قسم الصحافة و الاعلام في جامعة البترا من اروع الصور بحياتي، فهي تمثل عشرة ٦ سنوات في البكلوريوس و الماجستير، وتمثل الانتقال الكبير في حياتي من قمة الفشل و الضياع الى النجاح.

ففي عام ٢٠٠٨ بعد ان استمعت لنصيحة امي في ان اتوجه الى دراسة الصحافة والاعلام ذهبت متاخرا اسبوع للتسجيل فم اجد اي مادة متوفرة، عندها قابلت رئيس قسم الصحافة و الاعلام على امل ان يساعدني، وكان اول لقاء لي مع د. تيسير عندها رحب بي والاهم كان له الحكمة و الحنكة و القدرة على قراءة الشخصيات والقدرة على “تحريكها بكلماته من الداخل لتغير من نفسها”، جلست معه وانا احمل “علامات رسوبي في قسم التصميم الجرافيكي” بالاضافة الى تاخري اصلا بالدراسة، فكل المؤشرات تدل على فشلي، لكنه ولا اعرف كيف وافق على مساعدتي “بطلب خاص من رئيس القسم “يتم فتح مقاعد في ٤ مواد”.

وبعد اتمام كل متطلبات التسجيل قال لي د. تيسير ابو عرجة حينها وبلهجة ونظرة اثرت وحركت داخلي روح الاصرار و التحدي و المواضبة

اتمنى ان يكون اداءك الدراسي ونتائجك افضل من هذه العلامات غير الجيدة وان لا اكون نادما على قبولك

اثناء القول كان قد رفع ورقة علاماتي غير الجيدة وبنظرة تدل على انني يجب ان اتغير

خرجت من غرفة رئيس قسم الصحافة و الاعلام وانا اشعر “بالفرح لحصولي على مقعد دراسي رغم تاخري” والاهم “خرجت شخص اخر يريد ومصر على ان ينجح هذه المرة” بالاضافة الى ان شعوري الداخلي يقول انني في المكان الصحيح، بدأت الدراسة وعرفت ان قرار والدتي بالذهاب الى قسم الصحافة والاعلام وقرار د. تيسير بقبولي رغم تاخري وسوء علاماتي الدراسية كانا صحيحين.

اكملت ٤ سنوات دراسية كنت مواظبا على الحضور في اولى الصفوف ومشاركا في كل الاسئلة و الامتحانات، وتخرجت بشهادة بكلوريوس عام ٢٠١٢ و بدأت مباشرة بدراسة الماجستير بالاضافة الى عملي في قناتي التغيير و دجلة، خلال هذه المرحلة كان د. تيسير يقدم محاضرات لهذه المرحلة ايضا واستمريت حتى الاعداد لمناقشة رسالتي والتي اخترت د. تيسير احد المناقشين فيها، اتممت المناقشة وتخرجت بدرجة ماجستير و كانت هذه الصورة هي تهنئة د. تيسير الذي كان استاذي لستة اعوام عرفته اثناء فشلي الدراسي و ودعته بقمة نجاحي الدراسي، وبتخرجي من الماجستير استمر التواصل عبر شبكات التواصل لكنها كانت اخر صورة تجمعنا بأرض الواقع.

مع والدي العزيز في الاردن

استغل الظرف السيئ ضده

لايمكن تسجيل نصائح و افضال الاب او الام في سطور لان لهم الفضل الكبير في كل شيء، لكن هناك كلمات ونصائح تبقى عالقة في الذاكرة ولها الفضل في احداث نقلة كبيرة بالحياة، ومن هذه النصائح هي التي قالها ابي لي في زمن كنت اواجه فيه عدة ازمات و مشاكل وكما هو معلوم اي “ازمة – مشكلة – ظروف سيئة” تستهلك الكثير من الوقت و الجهد وهذان العاملان لايعوضان في حياة الانسان فقد تستطيع تعويض المال او المفقودات لكن الوقت والجهد تذهب دون عودة لذلك يجب ان تستفيد منها باقصى مايمكن، وهنا اذكر ان ابي قال لي النصيحة التي استمريت بالعمل بها حتى الان وهي.

استغل الظرف السيء ضده

اي استفد من الوقت او الوضح الذي انت عليه ان كان سيء في ان تفعل شيء مفيد لك

وهذه اجمل او افضل نصيحة عملية فلطالما واجهت مواقف صعبة وسيئة خلال سفري بين ٣ دول وكنت “استغل الظروف السيئة ضدها” وهنا تحول الوقت و الجهد المخصص “للانزعاج و العصبية” الى وقت مفيد بل انني في بعض الاحيان كنت اتمنى ان يستمر الظرف السيئ لكي استمر في منهاجي المخصص لهذا الظرف.

على سبيل المثال عندما طبق الاغلاق العام في بريطانيا كانت الحياة مملة فكل شيء مغلق تماما، ولم يعد لدي شيء سوى تقديم نشرة الاخبار لمدة ساعتين في اليوم وباقي اليوم هو فراغ هنا “استغليت الظرف السيئ ضده” فبدأت بتطوير اللغة العربية و الانجليزية و العمل على السوشل ميديا اكثر والقراءة و تطوير المعلومات في اختصاصي الاعلامي وفي الاختصاصات المقاربة للاعلام و في اختصاصات اخرى لاوسع مداركي اكثر، وفي موقف ثانٍ اذكر ان بريطانيا اغلقت حدودها ٤ اشهر عندما كنت في امريكا ولذلك لم استطع ان اعود للعمل بالتالي كانت اجازة طويلة استغليتها في الرياضة و اعادة تنظيم كل اشيائي واطلاق مواقع الكترونية “مدونة حسام الطائي” وتطوير مدونة “وكيبيديا الاعلام الجديد” والقراءة و تطوير بعض المواهب، كما انني اذكر موقف ثالث وهو عند اكمالي لمناقشة رسالة الماجستير كنت انتظر بعدها الهجرة الى الولايات المتحدة وقد اخذ الموضوع ٤ اشهر كانت صعبة على كل شخص ينتظر هكذا نوع من الهجرة فهي مهمة وجوهرية في حياة الانسان، اكثر اصدقائي كانوا يعانون خلال فترة الانتظار فهي حرق للاعصاب، اما انا فاستغليتها في الكثير من المشاريع التطويرية و التعليمية و اخذ الدورات و مشاهدة الافلام عن الحياة في امريكا وغيرها.

كثيرة هي المواقف التي طبقت فيها هذه القاعدة “استغل الظرف السيئ ضده” ولطالما كانت علاج ايضا لكل العوارض الجانبية التي تسببها الظروف السيئة فهي الحل الامثل لجعل الوقت يمضي بسرعة و ان تعالج كل الجروح النفسية التي تسببها الظروف السيئة، لذلك انصحكم

( استغلوا الظرف السيئ ضده)

الاستاذ الدكتور عبد الرزاق الدليمي في مناقشتي لدرجة الماجستير

التميز هو البحث عنالمعلومات الحديثة و النقاش و التفكير فيها

الاسلوب المختلف في التقديم و التفكير يؤدي الى نتائج اعلى من المتوقع، هذا ما عرفته خلال دراستي لمرحلة الماجستير في جامعة البترا وتحديدا مع الاستاذ الدكتور الفاضل عبد الرزاق الدليمي، فقد سبقت سمعة الدكتور العلمية والشخصية ” شخصيته الرائعة” لقاءه في المحاضرات لذلك كنت متشوقا للبدأ في حضور محاضراته.

بدأت المحاضرات مع د. عبد الرزاق وكانت متميزة جدا فهو اختلف بأسلوبه التدريسي عن باقي الكادر بنقطة مهمة جدا وهي “التحديث في التقديم” وهي تشمل مستويين ” الاول: التحديث في تقديم المحاضرات الاعلامية، اي تقديم معلومات جديدة عصرية غريبة قريبة من حياتنا الواقعية او زماننا” فلم يستخدم امثلة قديمة او مر عليها الزمن بل كانت امثلته و معلوماته و محاضراته معاصرة و مواكبة دوما، فكانت المعلومات التي يستعرضها لنا مميزة و ملهمة و تشد الطالب فم تكن محاضراته روتينية او مكررة بل هي مغامرة علمية تختلف في كل مرة، و من اهم نتائجها هي محاضرة قدمها عن “التدوين العربي” واثراء المحتوى العربي في الانترنت وكيف انه غير مواكب لما موجود في العالم، ومن هذه المحاضرة بالذات تحركت لاطلاق مدونتي الاعلامية “وكيبيديا الاعلام الجديد” التي نشرت بها معلومات اعلامية موثقة من ١٠٠ كتاب اعلامي قراتها.

د. عبد الرزاق كان له الدور الكبير في تعليمنا كطلبة درجة الماجستير مواكبة الحداثة و مناقشتها والتفكير بها من خلال محاضراته المتميزة، واستطيع القول ان هذا الاسلوب يزرع حتى داخل شخصية الطالب الذي يستخدمه حتى بعد التخرج و خلال عمله و حياته فهو يستمر في البحث عن “المعلومات الحديثة و النقاش و التفكير فيها” وهذا الامر يؤدي في نهاية المطاف الى “التميز” على منافسيك، من وجه نظري ان د. عبد الرزاق كان رائدا في التحديث لاسلوب الدراسة والتدريس وقد نسخت منه هذا الاسلوب الذي افادني كثيرا لانني استمريت في البحث عن “المعلومات الحديثة و النقاش و التفكير فيها” في مجال عملي وفي المجالات الخرى وهذا ما افادني كثيرا في حياتي.

هذه الصورة كانت في ستوديو جامعة البترا بعد استلام اوراق تخرجي من درجة البكلوريس

من قعر الفشل ينطلق النجاح

من قعر الفشل يظهر النجاح، قد تكون هذه حكمة او نظرية او فرضية لكنني اختبرتها شخصيا وقد اثبتت نجاحها معي، فكل من عاصرني لم يفكر او يتوقع ان يحدث تغيير في حياتي كبير الى هذه الدرجة، وعلى الرغم من ان ابي كان احد اللامعين في مجال الطيران الحربي وعند احالته الى المحاربين في القوة الجوية “نصف متقاعد” دخل في كلية اللغات جامعة بغداد قسم اللغة الانجليزية ليستفد من وقته ويحصل على شهادة ثانية كما فعلت والدتي ذلك فكانت خريجة ادارة و اقتصاد جامعة بغداد وقد دخلت للجامعة مرة ثانية قسم اداب انجليزي جامعة بغداد، المعنى ان عائلتي كانت مجدة وتشجعنا على التفوق العملي و الدراسي لكن الغريب في الامر لم اكن كذلك.

اذكر عند دخولي الى اعدادية الغربية في باب المعظم وسط بغداد كانت قريبة على احدى الاسواق الشعبية “والتي كنت احب زيارتها كثيرا” لذلك كنت اهرب من الدروس الى الاسواق الشعبية، و رغم ان والدي و والدتي كانا يراقبانني بشكل مستمر لكن كنت اجد الوسيلة للهروب و التجوال في الاسواق الشعبية، حتى جاءت نهاية العام الدراسي و قد “رسبت في مرحلة الاول المتوسط”، عندها انتقلت الى مدرسة “خالد بن الوليد” التي لم تكن ذات صيت كبير وتفوق دراسي بل كانت متواضعة جدا بمستواها العام وطلبتها كذلك، هناك وجدت نفسي وانطلقت بنجاحات هائلة وصولا الى المرحلة الاعدادية.

في المرحلة الاعدادية انتقلت الى مدرسة المثنى ذات الانضباط و التفوق الدراسي في حي الشماسية، وهناك كالعادة رسبت مرة اخرى و كنت مشاكس واهرب كثيرا من الدروس، حتى التقيت بصديق اسمه “فراس” كان قد رسب ٣ سنوات في هذه المدرسة بالصف الرابع الاعدادي وقد كنا جالسين في مقهى وقال لي، “هاي المدرسة ماتفيدك اني رسبت بيه ٣ سنوات وهسه رايح اخدم عسكرية، روح اعدادية الشباب بالكسرة تفيدك وتنجح” ولا اعرف كيف اخذت بنصيحته “وانا كنت لا ااخذ باي نصيحة” سحبت اوراقي وكانت اعدادية المثنى قد فرحت كثيرا بذلك للتخلص مني.

ذهبت الى اعدادية الشباب “قرب جسر الصرافية وخلف نادي القادة في منطقة الكسرة” وقد اعجبت بها من اول نظرة فقد كانت غاطسة تحت الارض من جهة جسر الصرافية و لم يسمع بها او يعرفها احد لانها منسية اصلا، سجلت بها ولاحظت العشوائية و عدم الانضباط فيها كبيرين فقلت “انه عالمي”، في هذه الاعدادية كانت كثير من الضوابط مرفوعة فالكادر التدرسي اكثر تساهل وتسامح بالغياب و الحضور و لا مشكلة في ان تخرج للاكل او التبضع خلال الدوام ويشاهدك المدير دون اي حساب، واقعيا كانت “مدرسة المشاغبين” حتى ان “الميانة” او تعامل الاساتذة مع الطلبة كان بمستوى الاصدقاء، فكثيرا ما التقينا بمنطقة الاعظمية للعب الدومنة او الطاولي او لتدخين الارجيلة او للجلوس في مطاعمها وقت الفطور و الغداء و العشاء، لقد عشت في هذه الاعدادية اجمل ايام حياتي حتى انني لم اعد اتهرب من الدروس لان كل درس كان مشاكسة ومغامرة ينتهي بالضحك، بل ان دخول الدرس طبيعي ان يكون بعد نصف ساعة من بدايته، استمريت بالدراسة فيها حتى السادس الاعدادية وهناك رسبت عام جديد بسبب عدم دراستي وتحضيري.

عام ٢٠٠٣ سقط النظام و كانت السنة الثانية لي في السادس الاعدادي وقد كانت بقايا نظام التربية و التعليم قائمة فاكملوا امتحانات السادس الاعدادي لكن “بانضباط شديد وتدقيق عالي” حتى انني صدمت لم اكن اتوقع ان يتحول الموضوع الى تحدي ففي الوقت الذي سقط فيه النظام وبدأت مؤسسات الدولة بالنهوض مرة ثانية اشتد المراقبون اكثر من اللازم، عموما في العام الثاني نجحت بامتحان السادس ودخلت جامعة بغداد كلية الادارة و الاقتصاد لاصطدم بملل ورتابة الدراسة الحكومية بانضباطها وكثرة واجباتها فلم تعجبني الاجواء فانتقلت الى كلية التراث في منطقة المنصور وهناك كان العالم جميل جدا، فهي جامعة اهلية حافظت على مستوى رائع من الرقي، وكانت النساء فيها اكثر من الرجال وهو امر مهم جدا للدراسة بجد !، لكن وبسبب المسافة و عشوائية الطرقات وتعرضنا للتهديد قررنا السفر الى الاردن وهنا توقفت دراستي الجامعية للمرة الثانية.

سافرت الى الاردن و كنت قد سمعت كثيرا من اقاربي و من اصدقائي عن نوعية الحياة المختلفة فيها، و وصلت عمان وانا محمل بشوق وحماسة عالية لاستكشاف هذا البلد الجميل، واتذكر ان اول ايام في التجوال فيها وسماعي لما متوفر من خدمات ورقي وانفتاح على العالم وسرعة في الخدمة اذهلني، اما حياة الترفيه فيها كانت “في الاحلام” بل مليئة بالمغريات التي تجذبك لان تعيش يومك بسعادة خاصة وانني قادم من العراق الذي عاش الانغلاق و الحصار و تراجع كبير على كافة الصعد حتى في النفسيات و طرق التعامل، ومن شدة صدمتي بما شاهدته في “عمان الغربية” حيث الطبقات الغنية و المتوسطة تعيش انطلقت بحياة امتدت ٤ سنوات من ٢٠٠٤ الى ٢٠٠٨ كانت مليئة بالمغامرات و الترفيه و المتعة على كافة الصعد والاشكال والانواع، فلم يبق شيء الا وعشته، ورغم الحاح والدي على العودة للدراسة لكن كانت الظروف صعبة حينها فتوقعنا اننا سنعود بعد عام او اثنين لكن امتدت الايام وكنا نخوض في معاملات الاقامة و سحب الوثائق من العراق و نقل املاكنا وبيع البعض الاخر واستمرت هذه الجدليات حتى ادركت و اهلي جميعا عام ٢٠٠٨ ان لا عودة للعراق اطلاقا، فقد تغيرنا فكريا و نفسيا ولم نعد نستطيع العودة بالاضافة الى سوء ا لظروف الامنية والعامة في العراق.

في عام ٢٠٠٨ كنت قد شاركت في عدد من دورات الكومبيوتر التي ضننت انها بديل جيد عن الدراسة الجامعية وان لها دور في ايجاد وظيفة بسرعة لكن سرعان ما قررت العودة الى الدراسة لكنني كنت مشتت فعندها بدات بقسم التصميم الجرافيكي وقد فشلت فيه من الفصل الاول وكنت قا قوسين او ادنى من ترك موضوع الجامعة بشكل تام لو لا الحاح والدتي لكي ادخل قسم الصحافة و الاعلام وذهابي له متاخرا ولولا دعم د. تيسير الذي ساهم بفتح مقاعد خاصة لي لكنت قد تركت الدراسة كليا نظرا لفشلي في قسم التصميم وتاخري في التسجيل بقسم الصحافة وتشتتي الدائم في عدم معرفة رغبتي الدراسية.

ان من يقرا هذه السطور يعرف انني قد رسبت في مرحلة المتوسطة و مرحلة الاعدادية ولم استطع اكمال دراستي في جامعتين في بغداد وتوقفت عن الدراسة ٤ سنوات في الاردن وعند بدايتي الدراسية بجامعة البترا رسبت في اول فصل، اذا فشل رسوب تاخر دراسي عدم معرفة رغباتي الدراسية ومستقبل مجهول، لكن وفي لحظة لا اعرف ماذا اسميها وكيف حدثت ولماذا وماهي اسبابها “تحولت بشكل تام” من شخص عشوائي غير مهتم بالدراسة و المستقبل و الدنيا الى شخص مجد يدرس ليل نهار يحضر مبكرا الى الصف الدراسي ليجلس في المقدمة، مناقش للاساتذة قارئ باحث ملتزم يبحث عن التحدي لديه اصرار كبير على النجاح وحرق المراحل، النقيض تماما عن شخصيتي القديمة فمنذ عام ٢٠٠٨ الى حد كتابة هذه السطور كنت اضع اهداف وتحديات احققها كل اسبوع و شهر و عام بل واصر على التفوق الدائم حتى انني اعتبرت قصة نجاح من قبل الكثير من المؤسسات الاعلامية وحصلت على جوائز وكتب تقدير وشكر وقد وصلت بمهنتي من الاردن الى بريطانيا بمسيرة ٤ قنوات واذاعة وبكلوريوس وماجستير اعلام مع مشاركات ومقالات وانتشار على السوشل ميديا و غيرها من فعاليات ونشاطات جعلتني في عين الاخرين مثالا للنجاح و التفوق، وهذا ما اسميه “من قعر الفشل ينطلق النجاح” الذي لا اعرف كيف حدث لكنني اعرف انني بذلت جهودا كبيرة جدا لاحققه.

الصورة بعد فوزي في بطولة العراق للكيك بوكسنغ في نادي التعاون

اچفت وهي تنلاص ، قاعدة عملت بها لـ١٩ عام

‏هناك عبارات تمر في حياة الإنسان يكون لها تأثير طول حياته بل قد تكون قاعدة مستخدمة في بعض المواقف التي تمر عليه، وهذا ما حصل معي عندما كنت لاعب كيك بوكسينج في نادي الشباب الرياضي بشارع فلسطين في بغداد، مع مدربي الكابتن سعد عبد الصاحب احد الاشخاص الرائعين المشرفين على بناء الفريق الرياضي.

‏ففي أول نزال اخوضه كنت مرتبك بعض الشيء خاصة بعد ارتداء الواقيات ومعرفة أن الشخص المقابل كان أقدم مني في الرياضة، وعند بداية النزال لم اكن جيدا في الهجوم والدفاع ومع نهاية الجولة الأولى لاحظ الكابتن سعد عبد الصاحب ذلك، فقال لي خلال فترة الراحة قبل الجولة الثانية عبارته ‏التي ظلت قاعدة معي استخدمها طوال حياتي هي

اچفت وهي تنلاص

وتعني ادخل بقوة وعزم دون ارتباك

ورغم أن العبارة عشوائية بعض الشيء وقد تؤدي إلى كوارث، لكنها كانت سببا في نجاحي بالكثير من المواقف ومعالجة الاخرى و اتخاذ قرارات سريعة كانت أكثرها ناجحة ومؤثرة وقد خلصتني من مواقف كثيرة.

ان ‏جوهر هذه العبارة هو “إنك إذا كنت تملك القدرة والمعرفة على الدخول و مواجهة والخروج من المواقف الصعبة عندها لا ترتبك ولا تتردد ادخل بعزم و اخرج بنتائج.

‏١٩ عام مرت على سماع هذه العبارة ما زلت اذكرها و أستخدمها ولم انساها.

الصورة الحقيقية لمركز امن الرشيد

الثقافة هي ان تعرف الشخص المقابل ان كان صادق ام كاذب

عام ٢٠٠٥ كانت ظروف العراق صعبة جدا ما اجبر الكثير من العراقيين الى الهجرة الى دول الجوار من ضمنها الاردن حيث اتجه الجميع الى اصدار اقامات سنوية في الاردن، وبسبب المخاوف الامنية كان اصدار الاقامة السنوية صعب للغاية بالذات الحصول على موافقة المخابرات، وخلال تلك الفترة صادفت الظروف ان اتعرف على شخص عن طريق صديق والدي قال لي ان هذا الشخص المكنى “محمود” هواحد افراد الامن الوقائي “واحدة من الاجهزة الامنية المهمة” ويستطيع من خلال علاقاته ان يحل كل المعضلات.

خلال تلك الفترة كان ابن عمتي “حمزة” قد رفضت اقامته وبدأت الغرامات اليومية على بقاءه في الاردن، بالتالي استعنا بعضو الامن الوقائي “محمود” لكي يسهل اصدار الاقامة، وعند الاتصال به طلب الاوراق الثبوتية واشترط ان نرافقه في المعاملات بالاضافة الى مبلغ “٢٥٠٠ دينار” مقدم على ان يستلم نفس المبلغ بعد اصدار الاقامة، طبعا اكرمناه واستقبلناه كونه “المعجزة الذي تسهل اصدار الاقامة”، بعد استلام المبلغ درنا معه في عدد من الدوائر كان يدخل و يخرج ويعرف الجميع و يسير بشكل قانوني حتى توقف عند المرحلة الاخيرة وهنا انقلب جذريا.

انقلب “محمود” جذريا علينا وبدا بالتهرب والتذمر والاختفاء و غيرها من اساليب لم نعهدها، وقد استمر الامر ٧ اشهر حتى ضاق الامر بابن عمتي “حمزة” الذي زجره في احدى الجلسات لياخذها حجه عليه و يقطع العلاقة معنا، لقد شعرت بالحرج كثيرا كوني قدمت “محمود” كشخص موثوق بناء على توصية من صديق والدي، وفي ظل هذه الظروف صادف ان احد مدراء جهاز الامن الوقائي ” كان اسمه عباس ويلقب عباس افندي” كان يزور مطعم “علي القرغلي” في عمان وله علاقة بصاحب المطعم الذي هو صديق لنا ايضا، وقد سمع صاحب المطعم بقصتنا وقرر ابلاغ مدير الامن الوقائي الذي بدوره طلب حضورنا الى مركز امن الرشيد.

حضرت انا فقط نظرا لبعض الظروف التي منعت ابن عمتي من الحضور، حقق معي في القضية وعرف اننا لم نملك اي دليل على استلامه المبلغ اطلاقا، لذلك قال “يجب ان تساير محمود الى حين اقناعه بان يسجل على نفسه اي ورقة تثبت حصوله على مبلغ ٢٥٠٠ دينار”، هنا فهمت انني يجب ان اسايره و اماشيه و اصبح صديقه حتى يثق بي ويسجل على نفسه اي دليل بحصوله على المبلغ، هي عملية شبه مستحيلة وتتطلب عمل “مخابراتي محنك” للوصول الى النتيجة المرجوة.

وبسبب حرجي من تقديم شخص على اساس الثقة لكنه خانها قررت ان ادخل بهذه القضية بقوة، عندها تحولت الى صديق صدوق لـ “محمد” عضو الامن الوقائي، سايرته ودعوته وشربت معه الشاي و القهوة ٦ اشهر حتى وثق بي و لا اعرف كيف كتب كومبياله على نفسه بمبلغ ٢٥٠٠ دينار و التي تعود لنا، هنا عدت الى “عباس افندي مدير الامن الوقائي في مركز امن الرشيد” عندها قال لي الان سيتم القاء القبض.

تم التخطيط ان يكون اللقاء في “مقهى حمدان” قرب جسر السيف وي وسط عمان، ولاخذ الاحتياطات طلب مني ان انقل اعضاء الامن الوقائي بسيارتي الخاصة للتمويه من مركز الامن الى مقهى حمدان، واتفقنا ان اجلس معه ويكون ظهره على الباب الرئيسي لكي لا يعرف اعضاء الامن الوقائي الاخرين، جلست معه وكان قد ضاق ذرعا مني وقرر ان ينفجر بوجهي لكي ينهي العلاقة فبدأ بالتهديد و الوعيد خلال ذلك كان اعضاء الامن الوقائي جالسين حوله يراقبون الموقف حتى حانت ساعة الصفر و قاموا بالقاء القبض عليه وابراز هوياتهم و معداتهم وسط ذهول الزبائن وصاحب المقهى، خرجنا بسرعه بسيارتي المدنية ذات الارقام العراقية الى مركز ام الرشيد مسرعين ونظرات المارة تلاحقنا.

وصلنا الى مركز امن الرشيد وخلال الطريق كان “محمود” عضو الامن الوقائي مرتبك وخائف و ينظر الى عيني طول الوقت مصدوم ولايعرف ماذا حصل وكيف حصل، وصلنا وتم التحقيق معه وحجزه واخذ افادتي عندها ظهرت الصدمة الصادمة، ( محمود ليس عضو امن وقائي بل هو موزع لمواد غذائية على مراكز الشرطة) ذهلت عند معرفة هذه المعلومة وذهل الجميع ايضا اما “عباس افندي مدير الامن الوقائي في مركز امن الرشيد” فقام بواجبه على اتم وجه فقد انتقم لي ولسمعة الامن الوقائي بشكل رائع جدا وضمن القانون، عندها انتهت القضية معهم وتحولت الى المحكمة ليبدا فصل طويل جديد لكنه اعاد كل الحقوق تماما.

مع نهاية القضية التي استمرت ٦ اشهر كنت على تواصل بشكل مستمر مع الامن الوقائي، جلست مع المدير “عباس افندي” وقال لي نصيحه مهمة جدا ظلت في اذني وعقلي وعملت بها طوال حياتي قال حينها

الثقافة ليست معرفه بعد الارض عن الشمس بل هي معرفة الشخص المقابل ان كان صادق ام كاذب وان تتاكد من هويته ومكانته ولا تعطي ثقتك بسماع الكلام فقط

كانت هذه الحادثة من قصص حياتي التي تعلمت بها الكثير وخصصت لها الجهد و الوقت و القدرات الكبيرة لكي احقق غايتي في انهائها والحصول على حقوقنا، بعدها لم اقع باي موقف لانني تعلمت درسا رائعا عن الثقافة.

الصور الحقيقية لمفاتيح المنازل الثلاث التي عشت بها

العيش في ٣ دول بثلاث شخصيات

قد نسمع بان سائحا زار ٤٠ دولة وانه سنويا يزور ١٠ دول، وقد نسمع ان شخصيا يعمل في دولة ويعيش في اخرى وكلا الامرين ليسا غريبين، لكن ان تعيش في ٣ دول بشكل مستمر فهو امر غريب، وهذا ما حدث معي عند العمل مع مجموعة قنوات الشرقية التي تملك فروعا اقليمية في العراق و الاردن و الامارات و بريطانيا، وقد تم اختياري لاعمل من بريطانيا بالوقت الذي كنت مقيم فيه بالاردن ومقيم في امريكا.

خلال اقامتي في الاردن ١٤ عام كنت قد امتلكت مجتمع كامل من اصدقاء ومعارف وحسابات بنكية وعمل وغير ذلك من اسس الحياة، بعدها عند هجرتي الى الولايات المتحدة قمت بتاسيس كل ذلك مرة اخرى فيها من مجتمع وحسابات بنكية وغير ذلك، لكن بسبب عملي في الاردن كنت اعيش في امريكا لشهرين واعود الى الاردن ٤ او ٥ اشهر وهكذا، عند حصولي على فرصة عمل في لندن، كنت متشوق جدا لمشاهدتها خاصة وان والدي قد تخرج من بريطانيا و قد تحدث لنا عنها كثيرا في السابق، لذلك تلهفت بشدة للسفرة، جاء يوم السفر وخرجت من مطار هيثرو وقد ادهشتني لندن ببناياتها واجواءها وعليه قررت ان اندمج بقوة في مجتمعها.

ولانني من هواة بناء علاقات اجتماعية صار عندي مجتمع كبير خلال اقامتي فيها بمجموع ٣ سنوات، وقد عرفت طرقها وعاداتها وتقاليدها كما عرفت الاردن و امريكا، ولان العمل الاعلامي كان يتطلب مني السفر الدائم “كوني اعزب وخبير في الرحلات الجوية وجاهز دائما” اعتمدت الادارة علي لاغطي الاحداث كمراسل او اغطي نقص المذيعين في الاردن، وكنت اتنقل بين بريطانيا و امريكا والاردن كل ٤ الى ٥ اشهر، حتى ان بعض المتابعين قد احتاروا كثيرا لانهم يشاهدونني اتجول في لندن بعد يوم في بيتي بولاية سان دييغو الامريكية بعدها في الاردن لاقدم نشرة الاخبار، واذكر انني قد صورت في الانستغرام وسط لندن عند الساعة ١٠ ليلا وعند ٢ ليلا سافرت الى الاردن لاقدم نشرة الاخبار في الساعة ٢ ظهرا وبعدها اتجهت لزيارة معرض الفنون التشكيلية في جبل اللويبدة في عمان، فدهش الحضارون عند دخولي لان اكثرهم شاهدوني اقدم الاخبار وشاهدوا حساب الانستغرام من لندن وبعدها ظهرت في عمان فكانت دهشتهم كبيرة، وفي احدى المرات كنت سان دييغو كاليفورنيا اشتري بعض الاغراض فلاحظت ان احد الاشخاص ينظر الي فعندما التفت له قال لي انت تشبه كثيرا حسام الطائي مذيع الشرقية في لندن ام هو اخوك، فقلت له انا حسام الطائي فانصدم وقال كيف قلت له انا اعيش هنا وهناك.

لقد تقسمت حياتي و شخصيتي وممتلكاتي الى ٣ اقسام فكنت في بريطاينا اتعامل مع المجتمع بشخصية وفي بيتي مجموعة من الاشياء التي تتناسب بريطانيا، اما عند سفري الى الاردن فاغير من شخصيتي بعض الشيء لان مجتمعي في الاردن له افكار و توجهات مختلفة وفي بيتي ممتلكات تناسب العيش في الاردن، ونفس الحال في امريكا حيث تتغير شخصيتي و ممتلكاتي لتناسب العيش هناك، كنت امتلك ٣ واتس اب و ٣ مجموعات ملابس كاملة في كل بيت حتى بعض الاحيان كنت اهبط بالطائرة عند الساعة ٦ صباحا و اقدم نشرة الاخبار عند الساعة ٢ ظهرا لان كل شيء جاهز في بيت الاردن من ملابس العمل الى النوم الى الخدمات وغيرها ونفس الشيء في امريكا و بريطانيا، وكنت في كل مرة انظم ما املك و ادون ملاحظاتي لكي لا ينشغل ذهني باخذ اشياء قد اكون املكها في بيتي الثاني او الثالث.

استمرار السفر و الانقسام الثلاثي جعلني اواجه صعوبات غريبة منها عند حصولي على جائزة افضل مذيع سالني الشخص الذي استلمها نيابة عني الى اين ارسلها فقلت لها لا اعرف ! فقال لماذا اين انت الان قلت له في لندن وبعض شهرين ساكون في الاردن لمدة شهر و اعود لامريكا لشهرين، فقال افضل ان تبقى معي الى حين استقرارك وبقيت معه ٨ اشهر حتى ارسلها الى لندن بعدها، صعوبات اخرى واجهتها منها الاتجاه الى مكانات في دول اخرى فكنت في بعض الاحيان افكر في الاتجاه الى منطقة هولبورن وسط لندن و انا اسوق سيارتي في سان دييغو الامركية، او افكر في اكل “الفلافل” من ابو جبارة و انا في لندن، اذكر في احدى المرات انني وعند سحبي من الة الصراف الالي شاهدت محاسب محل المواد الغذائية الذي اتسوق منه في لندن فعند اتمام عملية السحب التفت له و سلمت عليه، بعدها فكرت وقلت انا في الاردن وما تصورته محاسب هو في لندن لكن هذا الشخص يشبه ذاك فاختلطت الاوراق و الاماكن علي، وكثيرا ما ازور بلد فاجد الاعزب قد تزوج و المتزوج قد انجب طفلا و الصغير قد كبر و الكبير قد توفي وهكذا احداث عملاقة، و السبب انني اعيش في كل واحدة من هذه الدول بين شهر الى ٤ اشهر وانتقل للاخرى.

بعد مرور سنوات على السفر الدائم و تحول حياتي الى حقيبة سفر،تعلمت الكثير من المهارات المميزة وهي ادارة الوقت بشدة عالية كي تحصل على نتائج كبيرة في وقت قصير قبل سفرك، وكيف تنظم امورك بشكل دائم و مستمر حتى لا تتعرض لمواقف محرجة اثناء السفر “خاصة فترة كورونا” وتعلمت كيف اتعامل باقصى سرعة ممكنة مع اي مشكلة او حاجة او قضية لانهيها قبل ان تتحول الى ازمة، بالاضافة الى كتابة وتنظيم كل شيء الكترونيا ليسهل حمله معي اثناء السفر وان اكتب قوائم فحص الاشياء قبل اسفر كي لا انسى شيء، ومع كل ذلك كيفية تطوير ادائي الاعلامي تحت كل هذه الضغوط فكنت حتى في الطائرة اقرا لغة انجليزية تحضيرا لامتحان او قراءة لغة عربية لتطوير الاداء و اشاهد تسجيلاتي الاخبارية لاقيم المستوى وان اكون فاعلا وحاضرا في السوشل ميديا حتى و ان كنت فوق المحيط او في طريقي للمطار او هابطا في لوس انجليس، تعلمت ان الظروف مهما كانت انا استمر، وان استبدل الافكار و الشخصيات لاستخدمها عند الهبوط في الدولة التي ساعمل بها، تجاربة العيش في ٣ دول رائعة لكنها صعبة و مجهدة وتتطلب تركيز عالي بشكل مستمر لكنها من اجمل التجارب التي غيرتي شخصيتي و طبعي جذريا.

امي وابي في ساحة الطرف الاغر في لندن عام ٧٩

لقاء اسد الطرف الاغر.. حلم جاء وتحقق بعد اعوام

عندما يملك الانسان ارادة واصرار لتحقيق هدف تجتمع قوى الكون واقداره لتحقيقها، وهذا ما حدث معي، فمنذ اول نظرة الى صورة ابي و امي في شهر العسل في لندن قرب اسد ساحة الطرف الاغر قلت في نفسي “سيأتي يوم وازور هذه الساحة” ولا اعرف لماذا قلت ذلك وكيف في عمر الـ١٤ عام في العراق حيث كان السفر ممنوع والعراق في وضع دبلوماسي عالمي سيء جدا حيث الحصار وانخفاض سعر العملة العراقية، كل هذه العوامل جعلت تحقيق هذا الحلم مستحيل تماما.

بعد عام ٢٠٠٣ عيشنا في الاردن اختفى الحلم حتى عاد عام ٢٠١٤ عندما شاهدت التصورة مرة ثانية وقررت ان ابحث عن اسم الساحة التي لم اكن اعرف ان اسمها “الطرف الاغر” وبدأت بالتحضير للسفر الى لندن وكانت الاجراءات معقدة وصعبة ونسبة رفض فيز العراقيين هي ١٠٠٪ تقريبا، والاهم ان موافقة الهجرة الى امريكا جاءت و تلاشى الحلم مرة اخرى، خضت تجربة الهجرة واشتياقي للعمل الاعلامي جعلني اعود مرة اخرى الى الاردن واعمل في مجال الاعلام كمذيع راديو وتلفزيون، حتى عام ٢٠١٨ عندما قررت ان اسافر بشكل جاد على لندن لزيارتها كمدينة والاهم ان اصل الى “اسد الطرف الاغر” الذي حلمت ان ازوره منذ الصغر لا اعرف لماذا لكن هذه الرغبة كانت شديدة.

ورغم التحضيرات لكن تفاجات باجراءات اضافية للحصول على الفيز البريطانية تسببت بتاجيل سفري الى نصف ٢٠١٩ وهنا صار التحول، جاءت الفرصة لي بدل الذهاب اليها، تواصلت معي قناة الشرقية مكتب لندن عارضين علي العمل معهم.

كانت مفاجاة كبيرة جدا لي ان اجد عمل في لندن وفي الاعلام تحديدا وفي العاصمة الرائعة التي احلم بزيارتها، انطلقت اليها وبعد مرور شهر على استقراري وترتيب اوضاعي، عاد اسد الطرف الاغر الى مخيلتي فقررت في احدى العطل ان ازور الساحة وان التقي بهذا الاسد الذي كانت امنيتي ان التقيه قبل اكثر من ١٨ عام ! ومررت بازمنة ودول متعددة حتى وصلت الى وسط لندن، عندها جلست في اول قطار متجه الى ساحة بيكادلي الشهيرة، ومن هناك تمشيت وجوجل مابس يرشدني يمينا وشمالا حتى وصلت متحف اللوحات الوطني، استمريت بالسير واذا بأسد الطرف الاغر يظهر برأسه المهيب ومجموعته الاربع الذين ينظرون بكل الاتجاهات ويحرسون نصب القائد العسكري البريطاني الذي خاض معركة غيرت مجرى التاريخ البريطاني و سيطرت بعدها على البحار لمئات الاعوام.

وصلت الى اسد الطرف الاغر و كنت سعيد جدا وعلى الرغم ان الحلم بسيط وقد يمكن تحقيقة لاي شخص “ان لم يكن مولود في بلد غير مستقر” لكنه بالنسبة لي كان كبيرا جدا لانني جءت من بلد غير مستقر و واجهت ازمة الجواز الضعيف وارتفاع السعار وعوائق اخرى حتى وصلت الى تحقيق حلم رافقني لسنوات طويلة، ولا اعرف لماذا اصريت على زيارة نفس الساحة التي كان ابي وامي قد زاراها سابقا لكن اذكر جيدا انني وعندما شاهدت الصورة كنت واقفا في الطابق الثاني لمنزلنا في غرفة المخزن وقلت عندها “سازور الساحة يوما” وحققت الحلم الذي جاء الي بنفسه واخذني، لذلك اقولها مجددا “عندما يملك الانسان ارادة واصرار لتحقيق هدف تجتمع قوى الكون واقداره لتحقيقها”.

عام ٢٠١٩ قرب اشهر معالم لندن Tower bridge

لندن المدينة الساحرة التي غيرت شخصيتي وفكري و حياتي

للمكان دور في بناء شخصية وفكر و نظرة الانسان في كل مجالات الحياة، هذا ما يثبته علم النفس والاجتماع، فعندما تبحث عن الفن تذهب الى ايطاليا وعندما تبحث عن الثراء تذهب الى موناكو، وعندما تبحث عن المدينة الساحرة الوجدانية تذهب الى لندن.

عام ٢٠١٩ شهر ٨ انطلقت من مطار لوس انجليس الى مطار هيثرو في بريطانيا وكانت متحمس جدا ففي زمن يصعب الحصول فيه على وظيفة قد حصلت على وظيفة مذيع اخبار في افضل قناة عراقية بمستوى عربي في “لندن” المدينة التي تخرج منها ابي كطيار مقاتل و سافر لها في شهر العسل مع والدتي، وتحدث عن جمالها وروعتها منذ وعينا في العراق على مدى اعوام، فكنت متحمس ان ازورها اكثر من انطلاقتي الى الولايات المتحدة عندما هاجرت لها عام ٢٠١٤، هبط في مطار هيثرو وكان السائق “أكرم” ينتظرني وخرجت اليها فرحا فكانت المناظر الرائعة تشدني من بيوت الطراز الانجليزي القديم الى الشوارع الصغيرة خضار حقولها وسمائها البيضاء دائما حيث تختلط الغيوم باللون الرمادي للمنازل فتتحول الى لوحة فنية بالوان كلاسيكية تدل على العراقة و التراث و عبق الحضارة الغربية الاول الذي انطلق نحو العالم.

لم احض اول يوم في لندن بفرصة كبيرة لمشاهدتها لانني كنت متعب جدا بسبب سفري من الاردن الى الولايات المتحدة ومعاناة فرق التوقيت “١٠ ساعات عن عمان” وبقائي ٤ ايام فقط في سان دييغو كاليفورنيا لاسافر بعدها الى بريطانيا واعاني من فرق توقيت ثاني “٨ ساعات بين لندن و سان دييغو كاليفورنيا” لذلك تعطلت ساعتي البايلوجية لانني انتقلت بين منطقتني زمنيتين مختلفتين بسرعة، وصلت الى شقتي ونمت مباشرة وعندما صحيت في اليوم ثاني شاهدت الشقة وقلت في نفسي “اين انا الان” لانه قبل ٧ ايام كنت في الاردن وقبل ٦ ايام كنت اعبر القارات بالطائرة حيث زمن السفر الى الولايات المتحدة من الاردن يوم كامل وقبل ٥ ايام كنت في سان دييغو وقبل يوم هبطت في مطار هيثرو في لندن والان استفقت من النوم، حتى انني لا اعرف الشقة جيدا، انطلقت لاتجول بها على الرغم من صغرها لكنها كانت بعيني كبيرة جدا، تجولت في المنطقة القريبة مني تواصلت مع الشرقية وعرفت موقعها “كان قريب جدا ٧ دقائق سير من بيتي”، زرتهم وتعرفت عليهم و بدأت بنشرات الاخبار وهذه كانت المرحلة الاولى من اعجابي بلندن بشكل عام.

المرحلة الثانية عندما اخذت قطاري من محطة همرسمث ستيشن الى ميدان بيكادلي وهو الميدان الذي تحدث عنه ابي على مدى عقد من الزمن فكنت متشوق لزيارته، توقف القطار في ميدان بيكادلي ويالها من صدمة لن تتكرر في حياتي، سائحون ومنطقة مزدحمة بالمحلات و الشركات و السيارات و مناظر رائعة جدا لا يمكن وصفها اطلاقا، انطلقت اسير يمينا وشمالا ولا اخطط اسير وانظر وتزداد نشوتي بما ارى من مباني واجواء تفوق الخيال، عندها بدأت برحلتي لزيارة كل معالم لندن وكل مكان سمعت به او حلمت ان اراه يوما، شارع اوكسفورد، شارع ريجنت وقناة بي بي سي وحديقة ريجنت الملكية وهايد بارك وهمول هارودز وسلفريج ولبرتي وساحة الطرف الاغر واسودها حيث صورة لامي وابي ايام شهر العسل قبل ٣٨ عام ونهر التايمز و قرية جرنش حيث اول ظهور لتوقيت جرنش من هناك واكثر من ٤٤ معلم عالمي كبير فيها زرتهم جميعا مع جولات قبل و بعد زيارة معالمها لاتحول بعدها الى المعالم الصغيرة، كنت اخرج عند الصباح واعود لاداء نشرة الاخبار و اخرج مرة ثانية لجولات اخرى، قضيت ٦ اول ٦ اشهر كسائح متفرغ تماما للسياحة يقضي مايقرب من ١٠ ساعات يوميا خارج المنزل، فاستطيع القول ان اول ٦ اشهر اختتمت مدينة لندن بشكل عام، اما بعد ٣ سنوات من ممارسة نفس التجربة استطيع القول انني حفظت وعشقت مدينة لندن بشكل تام.

لكن ما لاحظته ان في لندن انها تملك سحرا غريبا يؤثر على العقل و الروح و الفكر والرؤية، فخلطتها السحرية بين التراث و العراقة والتاريخ الامبراطوري والحداثة و انطلاق اولى الابتكارات العالمية تجعلك في عالم من الخيال تسير بمتحف الزمن و الفكر الانساني الذي غير العالم، بل انك تفقد اشتياقك وحبك لاماكن ودول اخرى عند العيش بهذا المتحف الكبير الذي اسمه لندن، فبعد ٣ سنوات من العيش مازالت يوميا ارى المدينة كأنها جديدة وبدورها تضفي البهجة الروحية الداخلية في نفسي لماذا وكيف لا اعرف، فقد زرت شارع اوكسفورد مثلا اكثر من ١٠٠ مرة لكن في كل مرة اخرج منه سعيدا كانه اول مرة، ونفس الحالة تتكرر على كل زوايا و شوارع المدينة، كم هي ساحرة وتستطيع ان تاخذ مساحة اي مكان اخر قد زرته، اما ادمان على حب المدينة فهو لا يتوقف فحتى عند عودتي الى امريكا حيث اقيم ايضا كنت انتبه لا مبنى او شارع يذكرني بها، واسرد كثيرا حكاياتها لاصدقائي الذين عشقوها بعد نقل تجربتي لهم، نعم المدينة فيها سحر وادمان اشرف عليه البريطانيون يتحدون به كل مدن العالم نيويورك، لاس فيغاس، طوكيو، شنغهاي، جميعها اكبر اكثر حداثة لكنها مجرد ابنية واضاءة ليست “سحر وجداني تكون من العراقة والتراث والفكر الانساني الملكي الابداعي تخمر لسنوات طويلة فأتصل بالحداثة القادمة من الخارج والمولودة لندنيا، اتصل الماضي و الحضار لينت خلطة سحرية تسبب الادمان تغير العقول و الارواح” انها لندن الجميلة.

تاثير المدينة السحري لايتوقف عند الروح بل يصل الى الفكر الابداعي فكنت اجلس في مقاهيها وحاناتها وشوارعها الراقية العتيقة الحديثة الجميلة وافكر لانت مقالات ومواقع الكترونية وافكار و اطور مهاراتي في الخط العربي و العزف و اغير من شخصيتي بعد اطلاعي على سير شخصيات بريطانية مؤثرة و مع سعيي لتطوير ادائي المهني بعد ان اشاهد متاحفها و كيف لمفكريها ان واجهوا خصومهم وتفوقوا على اقرانهم، كانت المدينة بادلتها التاريخية وشخصياتها الاجتماعية وثقافتها الماضية والحالية تحفزني لكي اتطور فلا اعرف كيف للماضي وصراعاته وثقافاته التي انتهت بزمانها ان تتحول الى حافز لشخص قادم من خارج الدولة بل تحفزه ليتفوق في مجاله ويعيد تطوير نفسه وتنظيم افكاره ويؤمن بطروحات ومجالات لم يعرفها مسبقا، فالمدينة كائن حي يحفزك بشكل مباشر ان تواصلت مع ماضيها وتراثها و حاضرها وزرت متاحفها التي تتحدث عنها وازقتها التي تجري فيها رياح الفكر و التغيير و التطوير و التاريخ الفكري البشري، كل يوم في هذه المدينة كان مغامرة كل نظرة التفت بها الى بناية قديمة اشاهد في اعلاها في اي سنة بنيت ولماذا بنيت وكيف تغيرت وتحولت و واكبت تطور الحياة، اتجول قرب برلماناها الذي ناهز ٣٧٠ عام عمرا واقرا حكاياته التي تصور تحول الحياة وتغير البشر وانا اتغير معهم كلما اطلعت عليها.

المدينة غيرتني فكريا و روحيا وغيرت ذوقي و نظرتي بكل النواحي، وساهمت بتطويري على جميع الصعد، حتى في ايام المطر الغزير كان منظر المدينة من الطابق السادس حيث شقتي رائعا فيختلط الضباب بالغيوم بالرمادية البيوت لينتج لوحة فنية تكون انت نقطة فيها، ما انجزته على مستوى العمل الاعلامي للقناة و لشخصي وما تغير في روحي وفكري لن ولم يحدث ولا اتوقع حدوثة لو لم از المدينة الساحرة “لندن”، فدائما اتذكر ابي الذي تخرج منها واقول “له الحق في مدحها اكثر من عقد من الزمن” وانا احسب و اعتبر المدينة “شخص” من الاشخاص الفاضلين الذين لهم دور في تغييري جذريا و ابديا، تحية لك لندن.

صورة من عام ٢٠٠٣

مواجهة الموت بعمر ١٨ عام

في يوم ١٣ \ ٤ \ ٢٠٠٣ مر على سقوط بغداد ٤ ايام و سقوط منطقة الاعظمية ٣ ايام، حيث دخلت القوات الامريكية الجزء الثاني من بغداد “الرصافة” يوم ١٠ \ ٤، اختفى كل شيء يحفظ الامن لاوجود للشرطة و قوات مكافحة الاجرام، والاهم اختفت الحواجز الاخلاقية، فسقوط الدولة لحقه سقوط هيبة المناصب الحكومية، فلم يعد احترام العسكري و المدير العام مهم لجماعات كان القانون و القيم الاجتماعية تضبطها، ومن الامثلة المضحكة المؤسفة ان احد عمال النظافة الذي كان يعمل لدينا ولدى اقاربي في تنظيف السيارات، جاء بعد شهر من سقوط بغداد ليشتري السيارات التي كان ينظفها بعد سرقته لمبالغ مالية من دائرة حكومية، واذكر انه جاء بثقة كأنه صاحب المال الحقيقي، وقد انزعج قليلا عندما رفض طلبه لشراء السيارات.

قررنا نحن شباب المنطقة ان نحمل السلاح ونحمي منطقتنا من السراق المنتشرين القادمين من مناطق اخرى، وكنا نرتدي الملابس السوداء للتمويه ” تشبه ملابس فدائيي صدام” وهم مجموعة مقاتلة انتحارية، اشتبكت كثيرا مع القوات الامريكية بمنطقة الاعظمية، واستمرت اشتباكاتها حتى بعد سقوط بغداد.

في احدى الليالي كنت في نوبة الحراسة احمل سلاحي الكلاشنكوف قرب دارنا، نظرت الى الشارع الرئيسي وقد كان مظلم جدا ولا يمكن رؤية اي شيء فيه بسبب انقطاع التيار الكهربائي و العاصفة الترابية و احتراق النفظ الاسود الذي اشعلته الحكومة العراقية لتضليل القوات الجوية الامريكية، فكان الظلام شديد، لكنني و بغريزتي الخوف و الحذر شعرت ان هناك شيء غريب في الشارع لا اعرف كيف، توجهت نحو الشارع العام وكان خلفي ضوء من مولد كهربائي لجارنا اللبناني الذي غادر العراق لكنه اعطى لنا حق تشغيل المولد، توجهت الى الشارع الرئيسي حامل سلاحي الكلاشنكوف و فتحت زر الامان ووضعت يدي على الزناد تحسبا لاي طارئ، لم يكن هناك اي شيء، وقفت عند الشارع الرئيسي لدقائق ونظرت بعدها الى الجهة اليسرى وكانت الاجواء خالية مظلمة لا صوت فيها، استمريت بالنظر لخمس دقائق احاول ان اتاكد من عدم وجود شيء، عندها تاكدت من خلو الشارع و ان غريزتي الخوف و الحذر كانت مخطئة، لكن وفي لحظة التفت الى اليمين و اذا بستة جنود امريكيين موجهين بنادقهم تجاهي بوضع استعداد تام لاطلاق النار كأنه وضع الاعدام بالرصاص، كانت صدمتي كبيرة وقد نظرت اليهم بانتظار ان يطلقوا النار فلم افكر بأي شيء وحتى لم الحق بالشعور بالخوف لان البنادق موجهة ولا يحتاجون لاذن لاطلاق النار فالمنطقة لازالت في مواجهات دامية و خاصة من فدائيي صدام وانا ارتدي ملابس تشبه ملابسهم ومسلح وانظر الى الشارع، اذا الموت جاء لا محالة و قد سمعت سابقا ان الرصاصات تقتل الانسان قبل سماع صوتها، لذلك انها النهاية.

مرت دقيقة واحدة لكنها تساوي عام من الخوف، وانا بعمر ١٨ عام ولست بمقاتل فقبل ٣ ايام كنت شاب مدني في مجتمع مدني، لا اعرف كيف استمر نظري تجاههم وبعدها استدرت وعدت الى داخل شارع منزلي، وعند الدخول لامتار معدودة القيت السلاح و ركضت انادي ابن عمتي “حمزة” الذي كان في كراج منزلهم وفي طريقه للخروج رافعا سلاحه، فناديته باعلى صوتي “امريكان امريكان” عندها توقف بمكانه وقد توقف معه ان جيراننا “احمد” الذي كان قد خرج من منزله ايضا، حيث شاهدا ان الفرقة الجوالة الامريكية دخلت شارعنا ونادت علينا باستخدام الليزر، فكانوا يريدون الحديث معنا.

ذهبنا نحن الثلاثة الى الفرقة الامريكية وتحدث ابن عمتي حمزة و احمد معهم، وقد كانا طلبة جامعات يفهمون بعض الانجليزية، وقالوا للفرقة الامريكية اننا نحرس المنطقة من السراق، اما انا فقد كنت في المرحلة الاعدادية ولم افقه شيء من الانجليزية لكنني لاحظت ان جنود الفرقة الجوالة كانوا ينظرون تجاهي بشكل غريب وكأن قوة اعصابهم منعتهم من فتح النار تجاهي، عندها طلب قائد الفرقة عدم التواجد بالشوارع لكي لا يختلط الامر بيننا وبين الفدائيين و الجيش اللذين استمروا بالقتال بعد سقوط بغداد، وطلب ان نصعد الى اسطح منازلنا لنحميها وعند مرورهم نفتح لهم اضاءة نحملها لكي نشير لوجودناظ.

المفاجأة ان قائد الفرقة الجوالة الامريكية قال ان مجموعتنا الاولى كانت تسير امامنا عندما خرج هذا الشاب واشار الي، و توقعنا انه سيفتح النار عليهم لذلك كنا بوضع الاستعداد قبل ان يحرك سلاحه !

عندها تأكدت ان غرائز الخوف والحذر كانت تعمل عندي بشكل صحيح، فعندما نظرت الى الشارع المظلم لم ار الجنود، لكني شعرت بان شيء يتحرك في الظلمة، فتوجهت الى هناك وفتحت زر اطلاق النار و وضعت اصبعي على الزناد وعند وقوفي في الشارع الرئيسي نظرت باتجاه الفرقة الامريكية الجوالة الاولى وشعرت بوجودهم لكنني لم ارهم، وقد كانت خلفهم الفرقة الامريكية الجوالة الثانية الذين توقفوا اكثر من خمس دقائق ينتظرون رد فعلي فان رفعت السلاح اطلقوا النار لكنني كنت انظر فقط، لذلك لم يطلقوا النار عندها التفت ورأيتهم.

رغم ان الاحتلال جريمة بكل الاعراف، لكنني اشعر ان ذلك الضابط الامريكي كان شجاعا ! فقد تمالك اعصابه خلال المعارك الطاحنة يوم ١٣ \٤ \٢٠٠٣ ولم يطلق النار ويقتلني رغم ان كل الاسباب كانت في صالحه، فقد كنت ارتدي ملابس سوداء تشبه ملابس الفدائيين و احمل سلاح و انظر تجاه الفرقة الجوالة الاولى، لم اعرف هذا الضابط ولا اذكر اسمه وشكله ولا اعتقد انني ساجده في يوم لكنه صاحب فضل في بقائي حي الى الان.

الإعلان