فوضى التحليل السياسي في العراق… مهنة بلا ضوابط و جهل بالسياسية

تزخر القنوات العراقية بعدد كبير من المحللين السياسيين، فيمكن في كل نشرة اخبار على مدار الساعة ان يظهر محلل سياسي جديد، عدد كبير من المحللين الذين يظهرون كل يوم و يعملون مجانا او باجور زهيدة جدا.

و رغم هذا العدد الهائل و التنوع بالمحللين السياسيين لكن يجب طرح اسئلة مهمة وهي

١ – ماهي شهاداتهم الاكاديمية.

٢ – ماهي خبراتهم العملية.

٣ – هل عمل في المجال السياسي او الدبلوماسي.

المراقب للشاشة يستطيع ان يلاحظ غرابة و عشوائية تصريحات هؤلاء المحللين السياسيين و عدم علمية و واقعية ارائهم فيكف نستطيع ان نستمع لشخص يحلل قضية سياسية مهمة للراي العام العراقي او يشرح اهمية قرار سياسي دون معرفة عوامل مهمة مثل

١ – ماهي مصادر معلوماته السياسية، صحف، مجلات، مواقع اخبارية، مصادر حكومية يجب ان يذكرها.

٢ – هل عمل او اشرف على دراسات علمية عن الموضوع الذي جاء ليحلله سياسيا، مثلا تحليل العلاقات العراقية الايرانية بعد عام ٢٠٠٣ بناء على دراسة سابقة اشرف عليها المحلل السياسية بنفسه او كتبها بنفسه.

٣- كيف توصل الى نتائج تحليلة بناء على ماذا، مثلا درس تاريخ القرارات الامريكية في الحرب، اساليب الدبلوماسية الاوربية في فرض العقوبات، العلاقات الدولية و تاثيرها على القرارات المحلية، اطلاع على دستور الدولة الاخرى و معرفة مواده، دراسة قوانين و انظمة حكومات اخرى لمعرفة خطواتها مسبقا، يجب ان يكشف عنها المحلل السياسي قبل اعطاء اي راي في قضية.

٤ – التخصص، اكثر المحللين السياسيين تميزا هم المتخصصين بموضوع محدد، مثل خبير العلاقات الدولية، خبير القانون الدولي، المحلل السياسي المختص بالشؤون الامنية، وغيرهم الاخرين الذين يحملون مسمى محدد، هؤلاء يمكن الاستماع لهم و الاخذ برايهم بموثوقية عالية.

خلاف هذه الضوابط لايمكن ان يسمى ( محلل سياسي ) بل هو ( مشوش ) على الراي العام، و اثره سلبي على الجمهور الذي اعطى وقتا و جهدا و اهتماما للاستماع و المشاهدة و وثق بالبرنامج و ضيوفه، بالتالي يخرجون بنتيجة خاطئة سيئة سلبية على المجتمع بل قد تكون سببا في شق الصفوف و تدمير الوحدة الوطنية.

محلل ترند

رغم سوء حالة المحلل السياسي في العراق من الناحية العلمية و العملية انتشرت ظاهرة جديدة وهي ( محلل ترند ) يمتاز باطلاق تصريحات ( نارية، غريبة، غير واقعية، مثيرة للاطراف الاخرى، اتهامات خطيرة، تهديدات، سب و شتم، مشاجرة على الهواء، عدم احترام، خروج من البرنامج ) و غيرها من حركات مهمة الى ( الترند ) اكثر من اهميتها للجمهور او لمحتوى الموضوع، فتجدهم بعد يوم قد انتشروا بالسوشل ميديا بافعالهم لا باقوالهم و معلوماتهم و تحليلاتهم، و هنا لا اضع اللوم عليهم فقط بل على القنوات و المقدمين الذين يعرفون مسبقا ان هذا الشخص ( محلل ترند ) بل ان بعضهم يؤهل له السؤال و الموضوع ليشحن ( محلل ترند ) لينطلق باقصى سرعة بهجوم كاسح نحو ضيفه الاخر.

محلل السلطة

هذا النوع من المحللين مثل صحن السلطة يمكن تناوله قبل و بعد الوجبة الرئيسية، انه النوع المفضل لكل القنوات، فهو الذي يفهم بكل المواضيع السياسية و الاقتصادية و الاجتماعية، هو الذي يظهر في ٥ قنوات بنفس اليوم دون ملل، لا يملك راي و اتجاه محدد فهو مع القنوات ذات الاتجاه الديني و القنوات ذات الاتجاه العلماني، و هو معارض للقنوات المعارضة و مؤيد للقنوات الحكومية، هو الذي يصلح لسد اي فراغ في البث و لساعات طويلة، و رغم ان المسمى العام “محلل سياسي” لكني استطيع القول ان هكذا اداء يسمى “معلق سياسي” مثل معلق كرة القدم فهو يشرح مايمكن مشاهدته و توقعه مباشرة دون العودة الى مراجع علمية، بالتالي هؤلاء هم معلقين سياسيين وليسوا محللين.

ضوابط مهنة التحليل السياسي

انعدام الضوابط يحول اي عمل الى ( عمل من لا عمل له )، فبدل الجلوس في المقهى اذهب للشاشة و اطلق الاراء بعشوائية دون حساب عسى ان تكسب شيئا، هذا الامر في الدول المحترمة لا يجوز اطلاقا، فيجب وضع ضوابط منها

١- الشهادة الاكاديمية و الخبرة السياسية او العملية في المجال الدبلوماسي او السياسي.

٢- استخدام لغة علمية اكاديمية راقية و واضحة لا يمكن فهمها بشكل خاطئ و الابتعاد عن الالفاظ النابية قليلة الادب.

٣- الابتعاد عن الاتهام و التخوين و اطلاق التصريحات التي تسيء الى مكونات اخرى و تؤثر على الامن المجتمعي و السلم الاهلي و احترام المكونات الاخرى.

٤- التخصص بمواضيع سياسية محددة و اعتماد الدراسات و البحوث و المعرفة العلمية بالادلة الموثوقة لتحليل القضايا المهمة للجمهور.

٥- عدم اطلاق التصريحات الرنانة و الحازمة حول القضايا السياسية فالمحلل المخضرم يقول ( اعتقد، اظن، على الاغلب، يمكن، متوقع ) و هكذا لانه لا يملك علم الغيب و يستطيع ان يجزم بقرارات و قضايا سياسية تدخل فيها عناصر كثيرة قد تغيرها.

٦- العمل في مجال دبلوماسي او سياسي سابقا.

٧- الحوار مع الضيف الاخر صاحب الراي المختلف وليس الشجار و الاتهام و التخوين، يجب منع هذه التصرفات، فلا يمكن لمحلل سياسي ان لا يتقبل راي اخر و هو الذي يطلع على الكثير من الاراء.

اما ضوابط القنوات فهي كالتالي

١- كل محلل سياسي يجب ان يكون مدفوع الاجر “بما لا يقل عن مليون دينار على سبيل المثال، حتى تحفز المحلل على تقديم معلومات قيمة ودقيقة و موثوقة”

٢- عدم جعل البرنامج حلبة مصارعة و وضع “محلل ترند مع محلل سلطة و معلق سياسي” و غيرهم ممن اساء لهذه المهنة ليكون البرنامج حلبة مصارعة.

٣- اي ضيف يتجاوز الحدود الاخلاقية يمنع من الظهور بالشاشة نفسها لمدة تحدد مسبقا.

٤- الارتقاء باختيار الضيوف، عدم اعتماد ذلك يؤدي الى محاسبة القناة نفسها.

٥- عدم نشر التجاوزات الاخلاقية و غيرها من تجاوزات على السوشل ميديا منعا للاساءة للمكونات الاخرى او السلم المجتمعي او تشويش الراي العام.

٦- الطلب من المحلل السياسي ان يكون صاحب محتوى علمي يستحق الظهور على الشاشة لا ان يكون معلق سياسي فقط، يتم ذلك عن طريق ذكر دراسات، تصريحات سابقة لمسؤولين، حقائق تاريخية وغيرها، يجب ان يذكرها المحلل السياسي لكي يقدم للمشاهد معلومات لم يكن يعرفها.

الخلاصة

ان اكثر المحللين السياسيين في القنوات العراقية لا يستحقون الظهور و الاستماع لما يقولون بل هم ادوات لتخريب و تدمير المجتمع و الراي العام، بالاضافة الى سوء اخلاق بعضهم و الذي ظهر على الشاشة كثيرا، فهم يزرعون ثقافة عدم الاحترام للجمهور و الطرف الاخر و عدم قبول الاراء الاخرى، و غيرها من صفات لا ترتقي بمسمى محلل سياسي، لذلك الجهات المسؤولة عليها الاشراف و المحاسبة لكي ترتقي مهنة المحلل السياسي و تصبح عنصر مهم في توعية الجمهور.

نُشر بواسطة husamaltaee

News anchor and a presenter in Television

رأيان على “فوضى التحليل السياسي في العراق… مهنة بلا ضوابط و جهل بالسياسية

  1. التدوينة تشخص مشكلة عويصة في العراق ما بعد 2003 و هي ظاهرة الدخلاء على كل المهن والتخصصات هنالك فوضى عارمة وتنافس غير شريف على الظهور والكسب بكل الوسائل مع ارتخاء واضح لقبضة القوانين والانظمة

    شكرا لك على هذه الطروحات التوعوية

    Liked by 1 person

    1. ‏بالأخص مهنة التحليل السياسي أصبحت لإثبات وجهة النظر والتوجه السياسي وهي دعاية اكثر مما هي تحليل سياسي لقضية

      إعجاب

اترك رداً على غير معروف إلغاء الرد