الارتقاء … علم يجب أن يدرس

يولد الإنسان وهو يحمل صفات عشوائية بربرية منذ الطفولة، تتحكم به غريزته و انفعالاته و تحركه حاجاته و رغباته، يفرض نفسه على كل شيء و يتخيل انه ملك العالم، و كلما كبر بدأت هذه الصفات بالانحسار و بدأ يدرك انه انسان كملايين البشر لا يتميز عنهم بشيء.

و مع دخوله المدرسة و ميادين الحياة وتاثير المجتمع و كبر السن تبدأ هذه الصفات و الغربات و الغرائز بالانحسار لكن هل هذا كافي لتحقيق التقدم و التطور الاجتماعي المرافق للتطور الحياة.

معضلة تطور الافراد

ان المعضلة الأساسية في مجتمعات العالم الثالث انها تتطور بالاجهزة و البناء و غيرها من الحاجات الملموسة بفضل اموال الموارد الطبيعية او غيرها، لكن تفتقد هذه المجتمعات لتطور الافراد على المستوى “الفكري و النفسي و التفاعلي” لذلك ترى ان السيارات و الطيارات و التكنولوجيا المستخدمة لم تؤثر على طرق التعامل و التفكير في المجتمع، فهم مازالوا يعيشون بافكار و تصرفات القرن الماضي، هذه المعضلة تبقي المجتمع جامد في مكانه لا يتطور، فهي توهمهم بانهم يتطورون باستخدام احدث التقنيات لكن بنفس الوقت عقولهم و نفسياتهم و تصوراتهم محبوسة في صناديق عتيقة لا تتغير.

دراسة الارتقاء

لم تكن المجتمعات الغربية أكثر منا تطورا و ارتقاء بل كانت أكثر بربرية، لكنها وفي لحظة تاريخية قررت ان ترتقي بالفرد نحو الأفضل، بالتالي قامت بالخطوة الأولى التي تضمن “سير الية الارتقاء بشكل صحيح” و هي

“دراسة الارتقاء كمادة علمية عملية”، هذه العملية لا يمكن شرحها بسهولة لانها استمرت لمئات السنين لكن باختصار شملت تعليم الاتي

١ – احترام الذات و احترام الآخرين من كل الاطياف و الاديان.

٢ – احترام القوانين و الانظمة و التشريعات و تطبيقها و الايمان بانها ذات فائدة للفرد نفسه.

٣ – احترام حرية الآخرين في التصرف و التفكير و الحديث و غيرها.

٤ – الحفاظ على حقوق الآخرين و السعي لاستحصالها.

٥ – الأمانة بالعمل و الصدق بالتعامل و الدقة بالتنفيذ و اتمام ما يطلب من الفرد بشكل كامل دون نقوص.

٦ – عدم اهانة الآخرين باي شكل ان كان باللفظ او بالفعل.

٧ – التصرف اللائق بالاماكن العامة و الخاصة، “فن الاتكيت” الذي يشمل كيفية الجلوس و الطعام و الشراب و الحديث و اختيار الملابس و غيرها.

٨ – تعليم التعاون مع الآخر، في كل نواحي الحياة، فمنذ المرحلة الابتدائية يتم تعليم الطلبة على إنجاز مشاريع تشاركية لتعلمهم فن التعامل مع الآخر.

٩ – لغة التواصل، هذا العلم يحتاج إلى تركيز فالدول المتقدمة تمتاز بقدرة شعبها على التواصل الفعال المباشر و السريع ذو الفائدة الكبيرة، دون الدخول بجدليات و مقاطعات و محادثات جانبية و عشوائية، ضبط التواصل يؤدي إلى زيادة بالانتاجية العامة.

امثلة واقعية

كوريا الجنوبية و الثورة الصناعية التكنولوجية

الوضع السابق: خمسينيات القرن الماضي، كانت من أفقر دول آسيا، تعتمد على المساعدات.

طريقة الارتقاء: ركزت الدولة على التصنيع والتعليم الهندسي.

– شجعت الشركات المحلية (مثل سامسونغ وهيونداي) على البحث والتطوير بدعم حكومي.

دمجت التكنولوجيا بالثقافة الشعبية (K-pop، الدراما الكورية) كقوة ناعمة عالمية.

النتيجة: أصبحت من أكبر 10 اقتصادات في العالم، ورائدة في التكنولوجيا والإبداع الثقافي.

اليابان – التعلم من الهزيمة إلى القيادة .

الوضع السابق: بعد الحرب العالمية الثانية، كانت اليابان مدمّرة بالكامل، بلا جيش، وباقتصاد منهار.

طريقة الارتقاء: . أطلقت الحكومة برنامجا وطنيا لتعليم الانضباط والإتقان في العمل (نظام Kaizen).

أرسلت آلاف الطلاب إلى أمريكا وأوروبا لتعلّم الإدارة والتقنية ثم العودة لنقل المعرفة.

أعادت هيكلة التعليم ليكون عمليًا ومبنيّا على التفكير النقدي وحل المشكلات.

النتيجة: خلال 30 عامًا فقط، أصبحت اليابان ثاني أكبر اقتصاد في العالم ومثالًا في الانضباط الصناعي.

سنغافورة – التعليم كأداة نهضة.

الوضع السابق: في الستينيات, كانت دولة فقيرة بلا موارد طبيعية وتعاني من الجريمة والبطالة.

طريقة الارتقاء: استثمرت في التعليم كأولوية وطنية مطلقة، وربطت المناهج بسوق العمل مباشرة.

جلبت أفضل العقول العالمية لتدريب المعلمين ووضع مناهج حديثة.

شجّعت ثقافة النظافة، النظام، والانضباط كمظاهر حضارية.

النتيجة: تحولت من ميناء فقير إلى مركز مالي عالمي ومثال يحتذى في الإدارة والشفافية.

الارتقاء مرافق للعلم

لايمكن لامة ان تتطور علميا دون ان تتطور فكريا و اخلاقيا و نفسيا و اجتماعيا دون تطوير الفرد نفسه، و تطور الفرد يعتمد على الارتقاء الذي يجب أن يكون مادة دراسية مهمة كاهمية باقي المواد الأخرى، توافق تطور ارتقاء الفرد مع الارتقاء العلمي يولد انسان متحضر و مجتمع متماسك و حكومة متطورة و بلد متقدم، عدم التركيز على الارتقاء بالفرد يبقي البلد في دوامة العالم الثالث إلى الابد.

نُشر بواسطة husamaltaee

News anchor and a presenter in Television

اترك تعليقًا