الروحانية بين سميثسونيان وفيكتوريا

قد يبدو العنوان نوع من طلاسم السحر لكنه في الواقع هي اسماء لمتاحف الاول هو متحف سميثسونيان في العاصمة الامريكية واشطن والثاني هو متحف فيكتوريا في العاصمة البريطانية لندن، لكن ما علاقة الروحانية بهذين المتحفين وما دورها !.

في البداية الروحانية هنا اقصد بها ” التاثير الشديد غير المباشر على المشاعر و العواطف و الفكر” هذا التاثير يدخل الانسان في حالة خاصة تجعله يعيش اجواء “الزمان و المكان الاخر” البعيد عنه وهذه الحالة تتجلى بوضوح عند سماع الموسيقى الهادئة ليلا امام منظر جميل او اثناء خلوة الانسان بنفسة وتذكره لمواقف جميلة وامثلة كثيرة مشابه، لكن جميعها تنقل الانسان من الواقع على مكان وزمان اخر وهذا ما اقصد به الروحانية.

اذا ما دور و علاقة هذه الروحانية الناقلة من الزمان و المكان و المؤثرة بشكل غير مباشر على المشاعر و العواطف و الفكر، هنا يظهر التميز الفكري الذي يجمع بين العناصر الملموسة و غير الملموسة للمكان او الشيء، فبالعودة الى المتحفين سميثسونيان و فيكتوريا يستطيع الزائر الذي يملك معلومات عن هذا النوع من التاثير غير المباشر ان يلاحظ الفرق الكبير بين المتحفين، ولاني من رواد وعشاق المتاحف وقد زرت متاحف لندن و واشنطن في اوقات كثيرة و متقاربة فقد لاحظت فروقات هائلة بين الفكرين الامريكي و البريطاني المختص بالمتاحف.

اولا: المتحف الفكتوري البريطاني، قرب محطة قطار ساوث كنسينغتون “south kensington” يظهر بناء ضخم كأنه قصر من القرن السابع عشر مليء بالزخارف و التماثيل ببوابات عملاقة و كأنه من عالم افلام “هاري بوتر” عند الدخول له تتفاجأ بالاعداد الهائلة من السائحين بتنوع بشري كبير من كل اقطاب الارض كل ٌ يبحث عن مايهتم به من اقسام، فالمتحف متكون من ٤ طوابق وفي كل طابق اقسام تختص بقارة وبلدان و عادات وتقاليد قبل وبعد الميلاد تمثل جميعها اكثر من ٢ مليون قطعة في ١٤٥ معرض.

بناية المتحف الفكتوري بحد ذاتها متحف فقد اسست عام ١٨٥٢ ومازالت تحتفظ بديكوراتها القديمة، لكن الاهم ان كل قسم في المتحف عن الدخول له يبدأ معك برحلة تاريخية عبر العصور ففي كل قاعة سحر خاص متكون من “نوع الاضاءة، الالوان المستخدمة، الديكورات، اساليب ترتيب المحتوى عموديا و افقيا، طريقة الشروحات حول كل قطعة، خامة الصوت في اجهزة الشرح الصوتية، الانتقال من قاعة الى اخرى، التحول في الديكور بين الماضي و الحاضر وبين قاعات العرض، درجة الحرارة، العزل الصوتي” كل هذه العناصر جمعت و قد تكون اخرى غير ملاحظة لتكون العنصر الاهم والاكثر تميزا “التاثير الروحاني للمتحف على الزائرين”، فدخولك الى المتحف و قاعاته وكأنك دخلت في رحلة زمنية تطلع فيها على احوال البشر و افكارهم وطرق عيشهم و بخروجك من المتحف كانك خرجت من الماضي السحيق الى الحاضر، وهذا يطبق على كل متاحف لندن “والتي زرتها كثيرا وفي كل مرة اشعر بهذا السحر الغريب”.

ثانيا: متحف سميثسونيان الطبيعي، محاطا باهم الابنية في العالم البيت الابيض و الكونجرس ونصب الرئيسان واشنطن و لنكولن وامامه واحدة من اكبر الحدائق الغناء التي تربط اهم معالم العامل سويا في “شارع الدستور” الذي يطل عليه اكثر من ١٠ متاحف عملاقة “قد يحتاج الزائر الى اكثر من شهر ليطلع عليها بتمعن”، تقع بناية المتحف التي تشبه الطراز الانجليزي والاغريقي بشكل بسيط، بني عام ١٩١٠ و يعرض “١٤٦ مليون قطعة “يختص بعرض كل ما له علاقة بالطبيعة وصناعة الانسان بانواعها”، هو واحد من ١٧ متحف تتبع معهد سميثسونيان الذي يديرها، عدد هائل من المحتويات وعدد اكبر من الزوار، يتميز المتحف بضخامة قاعاته و ممراته و طوابقه، الاهم ان الفكرة الاساسية في المتحف هي “ان تشاهد اكثر وبطريقة سريعة وشاملة” فمجرد سيرك في ممرات المتحف يكفي ان تطلع على اكثر من الف قطعة من المحتويات دون ادنى جهد، اما الشروحات حول القطع فهي بما قل ودل، وفي حالة الحاجة الى معلومات اكثر تستطيع الاستعانة بالموقع الالكتروني لان كل قطعة مرقمة وتستطيع البحث عنها والاطلاع على كل تاريخها، لن تشعر في متحف سميثسونيان بالتاثير الروحاني او الرحلة الزمانية والمكانية الى عوالم اخرى بقدر ما تشعر انك شاهدت ما انتجته الطبيعة و الانسان خلال الاف الاعوام باقل جهد و اسرع وقت، فالسر في اسلوب المتحف هي ان تشاهد وتطلع اكثر، ولانك سائح لا تحتاج الى روحانيات بقدر ما تحتاج الى المشاهدة و الاستمتاع بمحتوى المتحف” اما ان كنت باحث فسيكون عليك اتخاذ طرق اخرى لاتقتصر على المشاهدة بل العودة الى مكتبة المتحف، شخصيا زرت المتحف اكثر من مرة لم اتاثر او اتعلق به روحانيا لكني اندهشت من معروضات المتحف فخرجت وكأني شاهدت فلم طويل استعرض الطبيعة والانسان و الصناعة لالاف الاعوام، فشعوري بالصدمة و السعادة كبير جدا.

اذا مقارنة صعبة بين فكرين واسلوبين مختلفين مؤثرين يلتقيان في نقاط متشابه ولكن يختلفان في هدف العرض، البريطاني و الذي يركز على الروحانيات و التاثير غير المباشر و الانتقال المكاني و الزماني و التدرج التاريخي للمعروضات، والامريكي الذي يركز على مشاهدة الاف القطع التي تدهشك لغرابتها و تنوعها بوقت قصير وسرعه عالية تشعر خلالها بالسعادة الداخلية لانك اطلعت على هذا الكم الهائل من تاريخ العالم دون ادنى جهد.

شخصيا اعجبت بالاسلوبين وخلال زياراتي الى لندن و واشنطن لم اشعر بالملل من الاختلاف بين متحفيهما، بعد هذا الطرح هنا اسأل قارئ المقال ايهما تفضل !.

الإعلان

نُشر بواسطة husamaltaee

News anchor and a presenter in Television

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: